محمد بن علي الشوكاني

530

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

من قرابته منهم الذين صاروا له بعد البعثة أشد الأعداء ، وأعظم الخصوم ، كأبي لهب ، وأمثاله ، فإنه لا شك ، ولا ريب أنه لا يخفى عليهم ، ما هو دون هذا من أحواله . وأيضا لو كان قد تعلم من أحد من أهل الكتاب ، لم يخف ذلك على أهل الكتاب الذين صرح لهم بأنهم إن لم يؤمنوا به فهم من أعداء الله ، ومن المستحقين لسخطه ، وعقوبته ، وأنهم على ضلالة ، وأنهم قد غيروا كتابهم ، وحرفوه ، وبدلوه ، وأنهم أحقاء بلعنة الله وغضبه . فلو كان له معلم منهم ، أو من أمثالهم من أهل الكتاب ، لجعلوا هذا المطعن عليه مقدما على كل مطعن يطعنونه به من تلك المطاعن الكاذبة ، بل كان هذا المطعن مستغنيا عن كل ما طعنوا به عليه ؛ لأن مسافته قريبة ، وتأثره ظاهر ، وقبول عقول العامة له من أهل الكتاب ، ومن المشركين أيسر من قبولها لتلك المطاعن الكاذبة التي جاءوا بها . هذا معلوم لكل عاقل ، لا يشك فيه شاك ، ولا يتلعثم عنده متلعثم ، ولا يكابره فيه مكابر . فلما لم يطعن عليه أحد منهم بشيء من ذلك علمنا علما يقينا انتفاء ذلك ، وأنه لم يتعلم من أحد منهم . وإذا تقرر هذا البرهان الذي هو أوضح من شمس النهار أنه لم يكن له معلم من اليهود ، ولا من النصارى ، ولا من غيرهم ، ممن له علم بأحوال الأنبياء ، فلم يبق إلا أن يكون اطلع بنفسه منفردا عن الناس على مثل التوراة والزبور والإنجيل . ونحو ذلك من كتب الأنبياء . وقد علمنا علما يقينا بأنه كان أميا [ 26 ] لا يقرأ المكتوب ، ولا يكتب المقروء . ثبت هذا بالنقل المتواتر عن أصحابه ، مع عدم مخالفة المخالفين له في ذلك ، فإنه لم يسمع عن واحد منهم أنه نسب إليه أنه يقدر على قراءة المكتوب ، أو كتابة المقروء ، وحينئذ انتفت هذه الطريقة أعني كونه اطلع على الكتب المتقدمة بنفسه منفردا عن الناس ، وإنما قلنا منفردا عن الناس لأنا لو فرضنا قدرته على ذلك في محضر أحد من الناس لم يخف ذلك على أتباعه ، ولا على أعدائه .